القارئات والقراء الأعزاء،
في كل مرة نحاول فيها فهم منطقتنا، نميل إلى النظر نحو الأعلى: الرؤساء والحكومات والجيوش والحروب والقوى الخارجية والاتفاقيات الكبرى. غير أن الفهم الحقيقي غالبًا ما ينشأ في مكان آخر، في المخبز قبل أن يصل إلى البرلمان، وفي المدرسة والجامعة قبل أن يظهر في الخطابات السياسية والقرارات، وفي رحلة اللاجئ الطويلة قبل أن يتحول إلى بند في تقارير المنظمات الدولية. إنه ينبُع من التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة في مجتمعاتنا، لكنها في الحقيقة تصنع مصائر الأفراد والجماعات.
في هذا العدد، تأخذنا الكتب إلى تلك المساحات التي يتشكّل فيها المجتمع بعيدًا عن الأضواء. وثمّة رابط خفي يشدّ المراجعات الواردة فيه إلى بعضها، رابطٌ لا تُصرّح به أيٌّ منها صراحةً، غير أنه يسري بين السطور: في سؤالها عمّا تقدّمه الدولة لمواطنيها من خبز أو تقاعد أو حماية اجتماعية، وفي سؤال الإنسان حين تُحكم عليه القبضة من كل جهة، وفي مسألة التغيير الذي يولد من الثقافة قبل أن يُعلَن في الميادين، وفي تتبّع صورة الأفندي المصري في مواجهة الحداثة الاستعمارية، أو الشباب المصري في ميدان التحرير، أو اللاجئ السوري في ألمانيا.
يقودنا كتاب "حالات الكفاف" في الأردن إلى رغيف الخبز أو لنقل النافذة التي نفهم عبرها العلاقة المعقدة بين الدولة والناس. فالخبز هنا جزء من حياة كاملة تُبنى حوله … توقعات المواطنين، مخاوفهم، وأفكارهم عن العدالة والأمان. ومن خلال رائحة الأفران وطوابير الانتظار وحركة الأيدي التي تعجن وتخبز، يؤكد الكتاب أن السياسة والدولة تتجليان هناك في أكثر تفاصيل الحياة اعتيادًا. يقودنا مارتينيز إلى تأمل عميق في حضور الدولة، التي تتجسد بعيدًا عن كونها كيانًا مرئيًا أو نصًا قانونيًا جامدًا، لتغدو حضورًا متسللًا في الروائح والأصوات.
ومن الأردن إلى تونس، حيث نكتشف في تاريخ الحماية الاجتماعية أن الحقوق التي تبدو اليوم بديهية لم تكن كذلك دائمًا. فخلف صناديق الضمان والتقاعد والعلاج تقف عقود طويلة من التفاوت والتمييز والنضال. يكشف كتاب "نشأة الحماية الاجتماعية بتونس وتطوّرها" أن تشكّل الحماية الاجتماعية ارتبط في جزء كبير منه بالنموذج الفرنسي، وتأثر بالقوانين التي اعتمدتها الإدارة الاستعمارية لتشجيع الاستقرار والعمل في القطاعات الإدارية وتعزيز حضور الجالية الفرنسية، في ظل محدودية أعدادها مقارنة بالجاليات الأخرى خلال الثلث الأول من القرن العشرين. وقد أسفرت هذه السياسات عن حماية مصالح الفرنسيين في مقابل تهميش التونسيين، الذين حُرموا الامتيازات ذاتها، ما أسهم في بروز حركات احتجاجية طالبت بالمساواة وحق العامل في كرامة مهنية واجتماعية.

في مصر، لكن في سياق تاريخي سابق، يفتح كتاب "عصر الأفندية" بابًا مختلفًا لفهم المجتمع، باب الطبقة الوسطى التي حلمت بالصعود عبر التعليم والمعرفة والعمل. يتناول الكتاب الحداثة بوصفها حصيلة ممارسات يومية تبناها الأفندية في مسار تشكّلهم الذاتي، إذ تبلورت هويتهم عبر التمسك بثقافة عليا والسعي إلى تجاوز ما عُدّ تخلفًا اجتماعيًا، وتبنّي أنماط عيش جديدة. وتبرز ريزوفا أن تشكّل شخصية الأفندي كان ثمرة تفاعل متبادل بين المجتمع والدولة معًا، بحيث لم يكن هذا النموذج وليد سياسات رسمية وحدها، ولا نتاج تحولات اجتماعية منفصلة، وإنما كان نتيجة مسار تراكمي تشارك في صياغته الفاعلون الاجتماعيون ومؤسسات الدولة في آنٍ واحد.
أما كتاب "ثقافة الحركات الاجتماعية الجديدة" فينقلنا إلى لحظة أخرى من تشكّل المجتمع في مصر: لحظة الاحتجاج. لحظة شهدها كثيرون منا وشكّلت جزءًا من ذاكرتنا الجمعية، وقد ارتبطت في المخيال العام، عند البعض، بالتقرير الإخباري الشهير الذي قدّمه الإعلامي فوزي بشرى على قناة الجزيرة يوم تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 2011، باعتباره إحدى علامات تلك المرحلة. وما يميز مقاربة هذا الكتاب أنه ينظر إلى الاحتجاج باعتباره ظاهرة ثقافية إلى جانب كونه حدثًا سياسيًا، ليقدّم قراءة للحركات الاجتماعية الجديدة ودورها في سياقات "الربيع العربي"، من منظور أنثروبولوجي ثقافي يضع البعد الجندري في صلب التحليل.
لكن المجتمع لا يبقى دائمًا في مكانه... في أحيان كثيرة يُقتلع من أرضه قسرًا. وهنا يأتي كتاب "الهجرة القسرية في البلدان العربية" ليذكّرنا بأن أحد أبرز أسئلة المنطقة اليوم هو سؤال الاقتلاع والبحث عن مأوى. يسلّط الكتاب الضوء على واقع اللاجئين وما يرتبط به من إشكالات متعددة، إضافة إلى التحديات التي تواجههم في مسارات اللجوء وآفاق الاندماج في المجتمعات المستضيفة. ويتناول موجات الهجرة القسرية في العالم العربي، من التهجير في الأراضي الفلسطينية في ظل الاستيطان الإسرائيلي، مرورًا بالحروب في السودان، وصولًا إلى الهجرات العراقية والسورية بين العالم العربي وأوروبا.
وربما تكمن القيمة الأهم لهذه الكتب مجتمعة في أنها تنقل اهتمامنا من النخب إلى الناس، ومن الأحداث الكبرى إلى الحياة اليومية. فهي تذكّرنا بأن في الخبز والضمان الاجتماعي والحداثة واللجوء والاحتجاج تتجلى محاولات البشر المستمرة للبحث عن الأمان والكرامة والمعنى.
ولعل ما يجمع هذه الكتب جميعها أنها لا تروي حكاية الدولة أو النخبة أو المؤسسة بقدر ما تروي حكاية الإنسان العادي في المنطقة العربية، حيث يبدأ المجتمع من تفاصيل الحياة اليومية ويستمر داخل بنية الدولة لا خارجها، أحيانًا في تماس معها وأحيانًا في مواجهة معها. ذلك الإنسان الذي يواصل، رغم الأزمات والتحولات والانكسارات، ابتكار طرق جديدة للعيش، وإعادة بناء روابطه الاجتماعية، والتمسك بحقه في حياة أكثر عدلًا وكرامة.
دمتم بخير
رهام عمرو