القارئات والقراء الأعزاء،
راود حلم الحداثة أذهان المفكرين والساعين إلى التغيير في العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر. ووجِه هذا الحلم بِتحديات جمة، بدءًا بالاستعمار الغربي الذي فرض ثقافته ونموذجه الحداثي على المنطقة، وليس انتهاءً -ربّما- بالصراعات التي مزّقت العالم العربي. وظل موضوع الحداثة مسألةً خلافيّةً في الفكر العربي المعاصر، باختلاف توجهات مفكريه المشارقة والمغاربة؛ الأيديولوجية والسياسية.
أثارت الحداثة تساؤلات جوهرية حول هُوية العرب ومعارفهم ومستقبلهم. كيف يمكنهم تحقيق التوازن بين التفاعل مع التراث والإفادة من الحداثة؟ لماذا اكتفوا بمحاولات تحديثية ولم يبنوا نسقًا خاصًّا بهم؟
يقدم كُتّاب هذا العدد مجموعة من المراجعات التي تتناول كتبًا ناقشت هذه التساؤلات من زوايا مختلفة. يعرض عبدالله أبولوز كتاب أحمد إغبارية "سياسات الأصالة العربية: تحديات فكر ما بعد الاستعمار" الذي يتناول الحالة الفكرية الصعبة التي اعترت مثقفي العرب بعد هزيمة حرب 1967، ويكشف عن أثر هذه الهزيمة التي أنتجت حالة غربلة فكرية حادة أعادت المثقفين العرب إلى الاعتناء بدراسة التراث.
أما مايا بوطي فتقدم مراجعة لكتاب "ترجمات علمانية: الأمة- الدولة والذات الحديثة والعقل الحسابي" لطلال أسد، الذي يعد استمرارًا لمشروعه القائم على المنهجية الأنثروبولوجية التي طورها في مؤلفاته السابقة حول ظاهرة الدين والعلمانية، أو ما يتعارف عليه بـ"جِنيولوجيا الدين"، كجزء لا يتجزأ من الحداثة.
يُسلط العدد الضوء على التأثير الكبير للاستعمار الغربي على الهوية العربية، وكيف قادت الحداثة إلى تحولات مفاجئة في الوعي والفهم الذاتي للعرب، بحسب رواد مدرسة النقد الديكولونيالي الذين ربطوا ما بين الحداثة والاستعمار؛ فتنقلنا إسراء زيد إلى فلسطين في مراجعتها لكتاب "في معنى الأرض: استعادة الذات الفلسطينية" للباحث بلال سلامة، ويتناول فيه موضوع الأرض وأهميتها المادية والمعنوية والرمزية بالنسبة للفلسطيني الذي استطاع -رغم خسارته لها في عام 1948- الصمود والاستمرار في الوجود، والبقاءَ على قيد المقاومة.
ولفهم الآليات والسياقات التاريخية للحداثة، ينقلنا هشام الشّرفي في مراجعة مطوّلة لكتاب "الدّولة والثّورة والحداثة: من الاستثناء العربيّ إلى الخصوصيّة التّونسيّة" للباحث عادل اللّطيفي الذي يقدم فيه تحليلاً معمقًا لمسار تشكّل الدولة الحديثة في تونس. وفي السياق نفسه، يقدم علي بن موسى مراجعة لكتاب علي عبد اللطيف احميدة، "الأصوات المهمشة: الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده"، الذي يعالج فيه احميدة تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر عبر نقد الرؤية الاستعمارية الأوروبية، ونقد رؤية النُخب الوطنية الحاكمة للتاريخ، التي غالبًا ما وظّفته لتمجيد ذاتها والتغنّي بإنجازاتها.
وتأتي مراجعة علي أبو هواش لكتاب "تهويد المعرفة"، لمؤلفه ممدوح عدوان؛ لتعطي نظرة شاملة حول تأثير الصهيونية والمظلمة اليهودية على العقل والوعي في العالم، مسلطة الضوء على كيفية تشكيلها للتاريخ والمعرفة واحتكار المأساة.
كما يمكن الاستماع إلى مقالتين جديدتين، ومجموعة أخرى من المقالات السابقة على صفحتنا على موقع ساوند كلاود.
وأخيرًا، يمكن القول إنّ "المسافة بيننا وبين الحداثة" ليست مسافة جغرافية، بل هي مسافة معرفية وثقافية؛ فما زال العرب يبحثون عن طريقهم الخاص نحو الحداثة، طريق يجب أن يُحافظ على تراثهم ووعيهم بذاتهم. وكما ذكر إميل سيوران في كتابه "مثالب الولادة" "تظلّ أمّة من الأمم شرسة محترمة ما ظلّت محافظة على وعيها بتفوّقها. ما أن تفقد هذا الوعي حتّى تتأنسَن وتفقد كلّ أهميّة".
في هذا العدد، ندعوكم للانضمام إلينا في رحلة البحث عن حقيقة الحداثة العربية.
دمتم بخير،
رهام عمرو