القارئات والقراء الأعزاء،
قبل عامين، وتحديدًا في شباط/ فبراير 2024، كان التساؤل يدور في افتتاحية "المسافة بيننا وبين الحداثة" حول ممكنات الموازنة بين كفّتي التراث والحداثة، وعن مكمن العجز الذي يحول دون بناء نسقنا الخاص. بدا السؤال يومها معرفيًا بامتياز، غير أننا اليوم، وبمرور أكثر من عقد على الزلزال الناشئ عمّا سُمي بـ "الربيع العربي" وما خلّفه من خيبات وصولًا للإبادة التي نشهدها في غزة، نجد أنفسنا وجهًا لوجه أمام مُراجعة أكبر وأكثر إلحاحًا؛ فالمسافة الحقيقية التي تقطعنا عن التشكّل المرجو للمستقبل محفوفة بالعقبات وتتوسطها هوّة عميقة تضعنا في جبهة منفصلة عن "مثقفينا".
شكّلت تلك اللحظة التاريخية اختبارًا وجوديًا للمثقف العربي؛ وضعت موقفه الأخلاقي على المحك، فلم يكن مستهجنًا إذًا أن تكون النتائج كاشفة. سقطت الأقنعة عن وجوهٍ تمرست الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإذا بها تنقلب على مبادئها انحيازًا للسلطة، وخوفًا بأن يجمعها مصير مشترك بمن اختاروا خطًا آخر حتى غُيّب بعضهم قسرًا في السجون، وآثر آخرون الهروب إلى أبراجهم العاجية أو الصمت، تاركين الميادين للجماهير تواجه مصيرها وحدها.
والمفارقة اللافتة أن تراثنا العربي حافل بصور المثقف الطليعي، ذاك الذي اشتبك مع السلطة وناصبها العداء، على نحو يقترب من تعريف نعوم تشومسكي للمثقف بوصفه "عدوًا للسلطة ومعارضًا لها". غير أن هذا التراث نفسه ظلّ يُستدعى انتقائيًا لتبرير الاستبداد، عبر بؤر تراثية، نهل منها مثقفو السلطة وسدنتها ما يشرعن القمع ويؤبّد الظلم وينبذ المقاومة. يدفع ذلك إلى الواجهة تحذير مالك بن نبي بضرورة ألا تستقل السياسة عن الثقافة، كي لا تفقد وظيفتها الوطنية وأبعادها العالمية؛ فالخوض في السياسة هو في جوهره خوض في الثقافة وسعي لتغيير الإطار الذي يُنمّي عبقرية الشعب ويدعم مقاومته. هذه المقاومة الثقافية وأشكالها الأخرى هي استراتيجية تحرير تتجاوز رد الفعل، فالتغيير يحتاج إلى فاعل يمتلك زمام المبادرة.

وهذا أيضًا ما قدمه عبدالله البردوني في كتاب "الثقافة والثورة في اليمن" الذي تعامل مع الثورة بوصفها صيرورة ثقافية تشكّل الوعي الجمعي عبر عقود من التحوّل والصراع. وعبر منهج نقديٍ، يرسم فيه الكتاب لوحة بانورامية للعلاقة المعقّدة بين المثقف والسلطة، وبين التراث والحداثة، مقدّمًا أحد أهم المفاتيح لفهم جذور التحوّلات في التاريخ اليمني المعاصر.
لو عدنا إلى الوراء، وتحديدًا إلى لحظة ما بعد هزيمة 1967، سنجد في كتاب أحمد إغبارية "سياسات الأصالة العربية"، توثيقًا لتلك الأزمة الوجودية التي أعادت التراث إلى مركز التفكير في محاولة لاستعادة الذات وبناء "كود أخلاقي ومعرفي" يسمح بإعادة بناء المجتمع على مُثل وأخلاقيات مستمدة بشكل مباشر من الإرث التاريخي والثقافي.
في المقابل، يشرح ريشار جاكمون في كتابه "بين كَتَبَة وكُتّاب" المشهد الأدبي المصري ما بعد عام 1967، موضحًا الفرق بين "الكتَبَة" الذين ارتضوا البقاء في كنف السلطة، وبين "الكتّاب" المتمسكين باستقلالهم كشرط أخلاقي. هذا الانفصام يظهر جليًا في "اللغة المزدوجة" التي تبناها البعض؛ لغة إبداعية متحررة، وخطاب عام مهادن، وهي الازدواجية التي عمّقت الهوة مع الجمهور، حتى وإن بررها نجيب محفوظ يومًا بقوله إن الإبداع هو التعبير الأصدق عن الموقف.
لكن التاريخ لا يسجل الانكسارات وحدها؛ فثمة نماذج جسدت "الاشتباك الفعلي مع السلطة". يقدم حسام أحمد في سيرة طه حسين "النهضوي الأخير" صورة المثقف الذي ترجم إيمانه بمجانية التعليم ودمقرطة المعرفة إلى مؤسسات قائمة، رغم البيروقراطية. غير أن الكتاب يكشف أيضًا عن إشكالية مهمة: مشاريع طه حسين، رغم نبلها، ظلت نخبوية إلى حد كبير. صوت الشعب يكاد يخفت تمامًا في هذه السيرة، وكأن المعارك الثقافية كانت حكرًا على النخبة. هذا يعيدنا مجددًا إلى سؤال المسافة: حتى المثقف الملتزم، حتى "النهضوي"، قد يجد نفسه بعيدًا عن الجماهير التي يدّعي خدمتها.
كما نجد في كتاب آندرو سايمون "إعلام الجماهير"، كيف اشتغل الهامش على كسر احتكار الدولة للسردية؛ فكانت "شرائط الكاسيت" وصوت الشيخ إمام وأغنية "شرفت يا نيكسون بابا" فعل مقاومة عَبَر الزمن ليصل إلى ميادين الثورة في 2011، مثبتًا أن الثقافة الشعبية الصادقة أبقى من أبواق السلطة. وهنا تبرز مفارقة مؤلمة: بينما كان كثير من "المثقفين الرسميين" يكتبون في الصحف الحكومية ويظهرون على التلفزيون الرسمي، كانت الأصوات الحقيقية تأتي من شرائط الكاسيت المتداولة سرًا. المسافة هنا ليست فقط بين المثقف والسلطة، إنها أيضًا بين مثقفي السلطة والشعب الذي ابتكر ثقافته البديلة.
في المقابل، انجلت أيضًا وجوه أخرى لمثقفين ظلّوا، بصمت أو بعناد، على قدر اللحظة. صنع الله إبراهيم، الذي غادرنا قبل أشهر، كان مثالًا حيًا على أن المثقف، حين يختار موقعه، يمكن أن يكون له أثر يتجاوز النص. لم يكن صنع الله إبراهيم مثقفًا احتفاليًا، ولا شاهد زور على عصره. كان مشروعه الأدبي، الممتد لأكثر من خمسة عقود، مشتبكًا بوضوح مع السلطة، ومع آليات القمع والفساد، من دون ادّعاء بطولة أو ادّخار خطاب. لحظة رفضه تسلّم جائزة الرواية العربية عام 2003 كانت فعلًا ثقافيًا بامتياز. جملة واحدة قالها هناك: إن الجائزة "صادرة عن حكومة تقمع شعبها وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب"، كانت كافية لفتح نقاش عربي واسع حول دور المثقف وموقفه من السلطة.
إن حديثنا عن "المسافة بيننا وبين المثقف" هو في جوهره رصد لثبات الوعي وهزائم الموقف؛ إذ تتداخل في هذه الهوة ملامح العزلة النخبوية التي جعلت المثقف حبيس لغته المعقدة، يتحدث "عن" الشعب لا "معه"، مع حالة الانكشاف القيمي التي بددت صورته البطولية، محولة إياه في أعين الجماهير إلى مجرد انتهازي يتاجر بمبادئ لا يؤمن بها. وتتجلى خطورة هذه المسافة في ذلك الانفصام الأخلاقي بين القول والفعل، حيث يُنظّر للديمقراطية والعدالة في المحافل، بينما يُبرر الاستبداد والظلم في الواقع، مما يقوض الثقة في الفعل الثقافي برمته ويترك المثقف عالقاً في منطقة رمادية، خارج السلطة وخارج الشعب، عاجزًا عن التأثير في نهضة مجتمعه. ومن هنا، يأتي هذا العدد عبر قراءاته المتعددة، في دعوة متجددة للتساؤل: ماذا يعني أن تكون مثقفًا عربيًا اليوم؟ وهل بمقدور الثقافة أن تستعيد دورها بوصفها فعل مقاومة وضميرًا حيًا، بعيدًا عن زينة الخطاب وزيف الشهادة؟
دمتم بخير
رهام عمرو